ابن حزم

97

رسائل ابن حزم الأندلسي

تحكمها ولا من تصفيتها أن تقصد إلى الحديد على أنه من شكلها وعنصرها ، كما أن قوة الحديد لشدتها قصدت إلى شكلها وانجذبت نحوه ، إذ الحركة أبداً إنما تكون من الأقوى ، وقوة الحديد متروكة الذات غير ممنوعة بحابس ، تطلب ما يشبهها وتنقطع إليه وتنهض نحوه بالطبع والضرورة وليس بالاختيار والتعمد . وأنت متى أمسكت الحديد بيدك لم ينجذب ، إذ لم يبلغ من قوته أيضاً مغالبة الممسك له مما هو أقوى منه . ومتى كثرت أجزاء الحديد اشتغل بعضها ببعض واكتفت بأشكالها عن طلب اليسير من قواها النازحة عنها ، فمتى عظم جرم المغنيطس ووازت قواه جميع قوى جرم الحديد عادت إلى طبعها المعهود . وكالنار في الحجر ( 1 ) لا تبرز على قوة النار في الاتصال والاستدعاء لأجزائها حيث كانت إلا بعد القدح ومجاورة الجرمين بضغطهما واصطكاكهما ، وإلا فهي كامنة في حجرها لا تبدو ولا تظهر . ومن الدليل على هذا أيضاً أنك لا تجد اثنين يتحابان إلا وبينهما مشاكلة واتفاق [ في ] الصفات الطبيعية ، لابد في هذا وإن قل ، وكلما كثرت الأشباه زادت المجانسة وتأكدت المودة ، فانظر هذا تره عياناً ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤكده : " الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " ( 2 ) ، وقول مروي عن أحد الصالحين :

--> ( 1 ) هذا التمثيل إنما يصح اعتماداً على نظرية " الكمون " التي كانت سائدة حينئذ ؛ أي أن النار كامنة في الحجر ، ومهمة القدح أن يستخرجها " انظر الحيوان للجاحظ 5 : 10 وما بعدها " ؛ وتشبيه الحب بالنار الكامنة ، ورد على لسان جارية في قصة في الموشي : 71 " له كمون ككمون النار في الحجر إن قدحته أورى ، وإن تركته توارى " ؛ وفي ديوان الصبابة : 10 . ( 2 ) ورد هذا الحديث في البخاري ( باب الأنبياء : 2 ) ومسلم " باب البر : 159 ، 160 ) ومسند أحمد 2 : 295 ، 527 ، 537 وانظر بهجة المجالس 1 : 641 والصداقة والصديق : 136 والموشى : 25 ومحاضرات الراغب 2 : 9 ، 53 ، ونسب إلى سقراط قوله : " النفوس أشكال فما تشاكل منها اتفق وما تضاد اختلف " ( مختار الحكم : 93 ) وانظر روضة المحبين : 73 وأورد فيه قصة ؛